يحلّل كريم مزران في هذا المقال ملامح التحوّل في العلاقات الجزائرية الفرنسية، ويشير إلى بوادر انفراج بعد أزمة دبلوماسية حادة استمرت قرابة عامين، لكنه يطرح تساؤلات جدية حول قدرة الطرفين على تحويل هذه الإشارات الإيجابية إلى مسار سياسي مستدام.
توضح أتلانتيك كاونسل أن التطورات الأخيرة تعكس تهدئة نسبية، حيث اتخذت الجزائر وفرنسا خطوات دبلوماسية متبادلة، من بينها احتمال عودة السفير الفرنسي إلى الجزائر، واستئناف قنوات الاتصال رفيعة المستوى بين البلدين، بما يعيد إحياء الحوار بعد فترة من الجمود.
مؤشرات تهدئة.. لكن بدون رؤية واضحة
تشير التطورات الأخيرة إلى تخفيف الجزائر من حدة خطابها المرتبط بالماضي الاستعماري، إذ عدّل البرلمان قانونًا كان يطالب باعتذار فرنسي وتعويضات شاملة، ما ساهم في تقليل التوتر مع باريس. كما أعادت اللقاءات السياسية والزيارات الرسمية فتح قنوات التواصل، خاصة في ملفات الأمن والتعاون الثنائي.
تعكس هذه الخطوات رغبة مشتركة في تهدئة الأزمة التي تفجّرت على خلفية دعم فرنسا لمغربية الصحراء الغربية، وهي قضية شديدة الحساسية بالنسبة للجزائر. ومع ذلك، يظل هذا التقدم هشًا، إذ تفتقر الجزائر إلى استراتيجية سياسية واضحة لإعادة تعريف العلاقة مع فرنسا بشكل جذري.
تعقيدات سياسية وإقليمية تعرقل التقارب
تواجه العلاقات بين البلدين تحديات عميقة تتجاوز البعد الثنائي، إذ تتداخل فيها ملفات إقليمية معقدة مثل الصحراء الغربية، والتحالفات المتغيرة في المنطقة، والتوترات الدولية المرتبطة بالسياسات الأمريكية والإسرائيلية.
تراقب الجزائر عن كثب التباينات بين فرنسا والولايات المتحدة وإسرائيل، وترى في بعض مواقف باريس تقاربًا نسبيًا مع رؤيتها، لكن هذا لا يضمن استقرار العلاقة. في المقابل، تعزز فرنسا علاقاتها مع المغرب بشكل ملحوظ، ما يضعها في موقع حساس عند محاولة إعادة التوازن مع الجزائر.
كما تسعى الجزائر إلى استعادة نفوذها في منطقة الساحل، وبناء شبكة تحالفات إقليمية جديدة، وهو توجه قد يتعارض مع المصالح الفرنسية، خاصة في دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو التي تشهد توترًا مع باريس.
فرص الطاقة.. بين التعاون والمساومة
تفتح أزمة الطاقة العالمية بابًا مهمًا أمام تعزيز التعاون بين الجزائر وفرنسا، حيث تمتلك الجزائر إمكانيات كبيرة لدعم أوروبا بالغاز، خاصة مع مشاريع مثل خط أنابيب الغاز العابر للصحراء الذي يربط نيجيريا بالمتوسط.
تسعى الجزائر إلى استثمار هذه الورقة لتعزيز موقعها الاقتصادي والدبلوماسي، وقد تستخدمها كورقة ضغط لإعادة صياغة العلاقة مع فرنسا، خاصة فيما يتعلق بموقفها من الصحراء الغربية. لكن هذا المسار يحمل مخاطر، إذ قد يؤدي ربط التعاون الاقتصادي بشروط سياسية إلى تعطيل أي تقدم محتمل.
خلاصة المشهد
تعكس المؤشرات الحالية فرصة حقيقية لإعادة بناء العلاقات بين الجزائر وفرنسا، لكنها تبقى فرصة غير مكتملة. يظل غياب استراتيجية سياسية واضحة، واستمرار الخلافات حول قضايا جوهرية، عاملين يهددان بإعادة العلاقات إلى نقطة الجمود.
يرتبط مستقبل هذه العلاقة بقدرة الطرفين على تجاوز إرث الماضي، وإدارة الخلافات الإقليمية بحذر، وتحويل المصالح المشتركة—خاصة في مجال الطاقة—إلى أرضية تعاون مستقر، لا مجرد هدنة مؤقتة في علاقة معقدة بطبيعتها.
https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/can-france-and-algeria-get-their-relationship-back-on-track/

